ابن كثير

196

البداية والنهاية

أمير المؤمنين في ذلك ، فقال : بينة علي بذلك وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت ، ولا دريت بشئ من ذلك ، والخاتم قد يزور على الخاتم ، فصدقه الصادقون في ذلك ، وكذبه الكاذبون . ويقال : إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنه ابن أبي سرح ، ويولي محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك ، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك ، فلما رجعوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه ، فرجعوا ، وقد حنقوا عليه حنقا شديدا ، وطافوا بالكتاب على الناس ، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس ( 1 ) . وروى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار ، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي ، على جمل لعثمان ، وذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه ، وهذا كذب على الصحابة ، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم ، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها ، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا ، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا . واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها ، وهم أحقر في عينه من التراب ، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر ، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته ، وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده ، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه ، وأنزله عن المنبر ، فطمع الناس فيه من يومئذ ، كما قال الواقدي : حدثني أسامة ابن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال : بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر ، فقال له جهجاه : قم يا نعثل فأنزل عن هذا المنبر وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاكلة ، فرأيتها تدود ، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها ، فكانت مضببة ، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين ، حتى حصر فقتل . قال ابن جرير : وحدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته ، فرمي في ذلك المكان بأكلة . وقال الواقدي : وحدثني ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبي ( 2 ) حبيبة قال : خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين : إنك ركبت بهاتير ( 3 ) وركبناها معك ، فتب نتب معك . فاستقبل عثمان القبلة وشمر ( 4 ) يديه ، قال ابن أبي حبيبة :

--> ( 1 ) انظر الخبر في فتوح ابن الأعثم 3 / 210 وفيه كتاب عثمان بتولية محمد بن أبي بكر وعزل عبد الله بن سعد ، والكتاب المنسوب إلى عثمان إلى واليه بمصر مع غلامه الذين أمسك به المصريون وهم عائدون من المدينة . ( 2 ) في الطبري : أبي حبيبة . ( 3 ) في الطبري وابن سعد : نهابير . والنهابير : المهالك ( القاموس ) . ( 4 ) في الطبري : شهر يديه ، وفي ابن سعد : رفع يديه فقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك .